التسجيل / الدخول

 

دور المرأة المسلمة في التصدي لقوى التطبيع الناعمة

بقلم الاستاذة حیاة بوکراع عضو الاتحاد العالمي للنساء المسلمات  

تمهيد:

إذا كان التطبيع لغويا يعني العودة بالأشياء إلى سابق عهدها وطبيعتها. فإن التطبيع  في مثال الحال لا يعدو أن يكون إلا  دفعا و دعوة  واستراتيجيا ممنهجة من قوى الاستكبار للتخلى عن   الحق الفلسطيني و الاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب للأرض وتحويل علاقات المقاومة  والصدام  بينه وبين البلدان العربية والإسلامية إلى علاقات طبيعية وتحويل آليات الصراع إلى آليات تطبيع..

لقد أدركت فصائل العمل الوطني العربية أن توخي  الخط المقاوم  ليس مجرد اختيار تفرضه المساندة المبدية للفصائل  الفلسطينية المفتكة أرضها والمغتصبة حقوقها و ليس  مجرد بند  في خانة المهام القومية الملقاة على عاتقها.

إن  استعادة الحق الفلسطيني يعني استعادة للحق العربي الإسلامي ذاك أن افتكاك ارض فلسطين هو مرحلة أولى من مراحل  استضعاف الأمة الإسلامية الذي لن يتوقف  بل يراد منه  أن يستمر  بشتى الوسائل والطرق حتى يقضى على كل مقومات الأمة لتصبح  شيعا تستضعف طائفة منها تشرد ابناؤها وتستباح أعراض نساؤها وتنتهك قواها لتكون  مجرد أدوات وخدم بين يدي فراعنة العصر وطواغيته.

في هذا السياق يفهم  تطور مسار المشروع الصهيوني خاصة بعد الاتفاقيات المختلفة لما يسمى بالسلام "كامب دافيد واوسلو ووادي عربة" وما واكبها من دعوات مختلفة للتطبيع من طرف الدول العربية المترهلة الباحثة عن سند  يقيها   سقوط عروشها فهرولت نحو قوى الاستكبار تتوسل حينا وتتسول  حينا آخر.

لقد اصبح مشروع السلام تعلة وغطاء تتم من خلاله صفقات وتقدم ضمنه  الطاعات  ويتجاوز من خلاله التركيز على  الحق الفلسطيني.

ولعل  الإجماع العربي لاقتراح ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز خلال القمة العربية المنعقدة ببيروت في  مارس 2002   والداعي لتطبيع العلاقات مع اسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة سنة 1967 لخير دليل على  وهن أصحاب القرار العربي  وضعفهم وتحويلهم لمجرد بيادق  في قطع شطرنج تحكم اللعب به أياد صهيونية  وفية لمشروع القضاء على كل نفس عربي وتحويلهم لعبيد مستضعفين بأيد جبابرة متنفذين.

في هذا السياق تصبح مقاومة التطبيع وتجريمه من المهام الوطنية بالنسبة لكل فصيل عربي واسلامي نظرا إلى ان المشروع الصهيوني اصبح يهدد كل البلاد العربية الاسلامية بلا استثناء.

 لقد  تعددت مظاهر التطبيع مع العدو الصهيوني خلال العشريية الأخيرة واتخذ ت أشكالا مختلفة مما ولد حراكا مقاوما ساهمت  المرأة المسلمة في فعالياته.

 

أشكال مقاومة التطبيع في الحراك النسائي:

إن الاتحاد العالمي للنساء المسلمات يعتبر نفسه منخرطا في نهج المقاومة للمشروع الصهيوني في مقاومة التطبيع وتجريمه في كل المجالات لذلك وضع برامج وخطط عمل ترتكز على ضرورة مساهمته بل ومساهمة المرأة المسلمة في مقاومة هذا المشروع.

يعد انخراط الطاقة النسائية في تجريم التطبيع سندا ورصيدا هامّا للمرأة  المقاومة في سائر أقطارنا العربية والإسلامية، ويمكن أن يكون نواة استقطاب لمختلف الشرائح النسائية في المجتمعات  الغربية والعالمية.

لقد  تمكنت الحركة النسائية  العربية  من  اقتحام ميادين الفعل المباشر لمواجهة العدو الصهيوني ومخططاته وأدركت  أن  مقاومة التطبيع  هي الطريقة الأسلم  لتحصين الأمة من الاختراق وعدم السماح للخطط الصهيونية الأميركية بهز التماسك الشعبي الوجداني , ذاك أن  التحرك الحيوي الفاعل على مستوى الأسرة ـ كمثال ـ كفيل بإحباط هذه الخطط الخبيثة التي تستهدف مجتمعاتنا وثقافتنا الأصيلة وتسعى إلى زعزعة إيماننا الوثيق بقيمنا الأخلاقية وتراثنا الديني.

 إن حضور المرأة المسلمة  الفعلي والحقيقي في مختلف المجالات وفي  مواقع المسؤولية قادر على  توجيه الجهود النسائية سواء منها الفردية أو الجماعية كمؤسسات ومنظمات أهلية نحو  إحداث حركية هامة على صعيد مقاومة التطبيع وتجريمه.

 

التطبيع الثقافي:

يمثل التطبيع الثقافي الدعامة الرئيسية للتطبيع بشكل عام من وجهة نظر الكيان الصهيوني اذ يعمل  على نزع العداء من العقل العربي استكمالاً لمحاولة نزع السلاح من اليد العربية، وهي المهمة التي تكفل بها التطبيع السياسي والأمني مع الأنظمة العربية.

في هذا السياق  نرى ضرورة اهتمام الحركات  النسائية ذات المنحى الثقافي والمدني  بتجريم التطبيع و معرفة حجم ولون وتفاصيل الأضرار التي تنجم عن التطبيع الثقافي مع العدو منها  مثلا الانفتاح على المجتمع الصهيوني المحتل ذاك  أن الدعوات الصهيونية إلى التسريع في انجاز التطبيع الثقافي مع العالم العربي يشكل اليوم أكبر عملية تحدّ ليس للعقل العربي والإسلامي فحسب، بل للوجدان والقيم والتراث الذي يكوّن الشخصية العربية . في هذا السياق يتجلى هذا الاهتمام في:

·                    وقوف  الحركة النسائية بالمرصاد  لسياسات القوى الناعمة التي تعمل على  التأثير على الأطفال و الشباب و تراهن  على المثقفين  والباحثين  من أبنائنا  لتمرير ثقافة تطبيعية تضمن ضمور الحس العدائي  بدعوى نبذ العنف وبتعلة  حب السلام والتسامح,  

·                    التحذير من برامج التبادلات الثقافية ورصد مضامينها ومتابعتها   خاصة تلك التي ترعاها المنظمات الممولة من أمريكا والكيان بأسماء  وعناوين  متعددة  والتي تراهن  على جعل أبناءنا مشاريع     لمسؤولين ومدراء أوفياء للسياسات  التطبيعية وتحولهم  إلى مجرد أبواق لخططها وبرامجها,

·                    تعميم ثقافة مقاومة التطبيع والمقاطعة  داخل  النوادي الثقافية والرياضية الدولية   واستنكار الاحتكاك المتبادل  مع النماذج المجتمعية الصهيونية. بشتى الوسائل  والتحذير من سياسة التطبيع الذي تنتهجها النظم الرسمية العربية  بالسماح لمشاركة المنتخبات الرياضية الصهيونية في التظاهرات الدولية المقامة على الأرض العربية .لقد وصل الأمر إلى رفع العلم الصهيوني وسماع نشيد الكيان الرسمي  وهنا لا يسعنا إلا  ان نحيي دعوات المقاومة لمثل هذا النوع من التطبيع والذي أثمر في بعض الأحيان إلى سحب المشاركة الصهيونية في هذه التظاهرات الرياضية,

·                    التصدي لدعوى التلاقح بين الفنانين خاصة وقد تكررت في الفترة الأخيرة تبادل الزيارات بين الفنانين العرب المطبعين وبين الفنانين الصهاينة كما تفتح البلدان العربية مسارحها ومهرجاناتها لمشاركة فنانين صهاينة او غربيين مساندين للمشروع الصهيوني,

·                    التصدي للغزو الثقافي   الغربي  بتعرية  المفهوم الزائف للحرية حيث  تختلط القيم  وتصبح الضوابط  الأخلاقية تخلفا وعقدا وتعصبا  ويعد الانفلات من القوانين  فوضى خلاقة  ويصبح شعار عش حياتك  وتمتع بشبابك  أسا  وهدفا.

·                    الوقوف  بالمرصاد لمنع زرع  ثقافة الترفيه ونشر التفسخ والفساد الأخلاقي  ونشر محتويات إباحية  عبر فضائيات ممولة  من طرف قوى الاستكبار,

 

التطبيع الإعلامي:

لقد كرس هذا التطبيع وجود المُحاور الصهيوني في المنابر الإعلامية العربية بدعوى سماع الرأي والرأي الآخر.

 لقد كان هذا الإعلام يفتح منابره لسماع وجهة النظر الصهيونية وتبريراتها حتى في فترات الصراع الدموي مع الصهاينة في غزة وفي لبنان كما أصبح الإعلام العربي يتحاشى ذكر مصطلح القدس المحتلة وفي أحسن حالاته يستعمل مصطلح القدس الشريف عوض الإكتفاء بذكر القدس فقط.

أما مصطلح الصهيونية فقد اصبح يمثل حرجا في  الإعلام العربي فتركه كما ترك مصطلح الكيان المغتصب  و  استبدله   ب" دولة اسرائيل " بتعلة الاعتراف بالأمر الواقع .

يكمن  دور الحركات النسائية  في المجال الإعلامي  في :

-                        ضرورة الدعوة لإعادة النظر في استراتيجيات الإعلام المقاوم وذلك عبر  الاستفادة مما توفره تكنولوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة وخصوصاً الانترنت في المعركة الإعلامية مع العدو

-                      بلورة الوعي وإيصال مضامين تخدم الحق  الفلسطيني وتقطع الطريق أمام   الترويج لإعلام قوى الاستكبار .

-                      اعتماد سياسة اتصال تعتمد  الدعاية  أو فن الإقناع مع توخي الصدق  والمحافظة على خط  قيمي مع ضرورة الاهتمام بالشكل وحسن التسويق وعدم الاكتفاء  بالمضمون  خاصة أمام سياسات الإشهار المعتمد من طرف الإعلام  الصهيوني وأتباعه.

 

التطبيع  التربوي

للحديث عن التطبيع التربوي يكفي الإشارة لما جاء  في تفاصيل اتفاقيات السلام ـ سواء كامب ديفيد أو وادي عربة ـ "انه لا يجوز لأجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية إضافة إلى الكتب المدرسية ـ في هذين النظامين تداول الآيات القرآنية التي تحمل ذماً لليهود".

كما نقل عن ديفيد ليفي وزير خارجية العدو خلال مؤتمر التسامح المنعقد بالمغرب   انه “من اجل أن يقوم التسامح بيننا وبين العرب والمسلمين فلا بد من استئصال جذور الإرهاب، وإن من جذور الإرهاب سورة البقرة من القرآن..”.

في هذا السياق دعمت الأطراف الصهيونية والأمريكية مشاريع ما سمي بــ"إصلاح أنظمة التعليم" واستبعدت مناهج بدعوى الحض على "الكراهية" واستبدالها بمناهج أخرى تشيع قيم "السلام".

لقد وضعت الولايات المتحدة برامج وخططا وقدمت دعما لعديد منظمات المجتمع المدني العربي التي اشتغلت على محاصرة البيئة الثقافية المعادية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، بل انها عملت على تجفيف ينابيع الرفض والمقاومة من خلال تفتيت ما يسمونه الملامح السلبية في ثقافتنا حتى لو كانت آتية من القرآن الكريم والتراث الإسلامي أو أي تراث إنساني آخر.

لقد ركز مشروع التطبيع كذلك على توجيه جهد مركّز لتأسيس علاقات وحوارات مع رموز دينية اسلامية ومسيحية وإقامة مؤتمرات حول ما يسمى "وحدة الأديان" وغيرها كما كان لمراكز البحوث الإسرائيلية اهتمام ملفت بالإسلاميات وأصدرت العديد من الدراسات حول هذا الموضوع في افق لفتح الحوار وإقرار التعايش.

للتصدي للتطبيع في هذا المجال يسعى الحراك النسائي  من جمعيات ومنظمات ومراكز في :

-                      المراهنة على قدرة المرأة  على الإقناع  والتأثير لفرض خط تربوي  يحتضن المقاومة ويتبنى سبلها ويمنع تسرب الروح الانهزامية  المحبطة,

-                      التحذير من استنساخ المنوال الغربي  بتوظيف ديني  أو مدني وحذف البرامج التعليمية المنبتة والنأي عن التعامل مع الجمعيات والمنظمات الممولة التابعة  للكيان مباشرة أو لقوى تدور في فلكه,

-                      التصدي لكل للبرامج التربوية ذات الخلفية التطبيعية وتضخيم جرمها  وفضح  ممارسات الكيان الصهيوني في كل مناسبة  داخل الدرس وخارجه  حتى تتمكن سياسة تجريم التطبيع من   لا شعور المتلقي بدء بالحضانة إلى أعلى رتبة جامعية,

-                      اعتماد خطاب تربوي يؤكد  على الخلفية الحقوقية للشعب الفلسطيني يستعمل  مصطلحات العصر و وقيم العدالة الإنسانية والمساواة والحرية المفقودة في ممارسة العدو, 

 

التطبيع الاجتماعي:

إن أكثر ما يؤرق  مضاجع الدوائر الأميركية والصهيونية  ويقلقها  يتمثل في التماسك النفسي والوجداني للأمة العربية والاسلامية أمام  الحق الفلسطيني

إذ أن أسطورة الحاجز النفسي الناشئة من المكوّن العقائدي للفرد في هذه الأمة، هي التي ما زالت تقف سداً منيعاً في مواجهة سيل الدهاء والمكر الصهيوني وعلى رأسها التصدي لعملية التزوير الكبرى التي يراد ان تؤسس عليها طموحات المعتدين  حيث لا يكتفي العدو  باغتصاب   أرض فلسطين بل يحاول طمس خصوصياتها والاستيلاء على  موروثها فينسب لنفسه تقاليدها في  اللباس والأكل  ويغير أسمائها من أسماء عربية إلى عبرية ويختلق الأحداث والأساطير. 

مقابل عجز الحكام كان لا بد للشعوب العربية والإسلامية من أن تشهر سلاح تجريم التطبيع

وضرورة   تحوله من   ردة فعل تلقائية لدى الأفراد والأسر والجمعيات والأحزاب الوطنية إلى سياسة  تهدف لمواجهة العدو وكل ما يستهدف عقائد الأمة  وقيمها وتراثها الديني والحضاري.

إن الحراك النسائي والتحامه بالحراك الشعبي ضد التطبيع لا بد أن يصبح أحد أهم أسلحة المقاومة المدنية و السلمية التي تعتمد على التوعية واستنهاض المشاعر الوطنية لدى مختلف الفئات وتركز على أسلحة الوعي والضمير.

مما تقدم ندرك أن فعالية دور المرأة المسلمة في هذا الحراك تكمن في:

 -  تطوير التفاعل الشعبي وتحويله الى حضن حقيقي لقضايانا المصيرية والهامة  وذلك  بإقامة سياج واقٍ ومنيع داخل الأسرة العربية المسلمة  لا يمكن أن تخترقه مكائد أو إغراءات او اتفاقات، فهي تصر على المطالبة بالدفاع عن هذا الحصن تحت أقصى الظروف.

- عدم  الإكتفاء بالتعبير عن رفضه للاحتلال وممارساته الدموية  عبر مقاطعة البضائع الأميركية والشركات الداعمة للصهاينة  بل لا بد من توخي آليات تنطلق من واقع الهجمة ومخاطر التطبيع التدميرية التي تهددنا جميعا  نذكر على سبيل المثال من بينها  توزيع البوسترات  و البروشورات في كل المناسبات  الوطنية والدينية واستغلال المؤتمرات أيا كانت برامجها للتذكير بالحق الفلسطيني  كما قامت بتشجيع أصحاب المحلات التجارية لعرض  بوسترات  ترسخ  ثقافة المقاطعة. 

- إقامة تظاهرات للتعريف  بالتقاليد  الفلسطينية في اللباس والأكل والفنون  وارتداء الكوفية الفلسطينية في كل المناسبات ضمن سياسة المحافظة على هوية الفلسطينية وخصوصيتها.

إن  مقاومة المرأة المسلمة للتطبيع تندرج  ضمن  الاستجابة للذكر الحكيم الذي يدعو إلى تهيئة أسباب النصر.في قوله  تعالى " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"[1] وتنزيلها  للمحك اليومي   في   اتباع التقنيات العلمية  المعتمدة و مكافحة العدو بسلاحه وتوخي  كل الطرق  والآليات لتجاوز قدرة العدو على الإبهار و الجاذبية   وحسن الكلام .

في المحصلة التأكيد على ضرورة اعتبار أن من يمارس التطبيع لا يعدوإلا  أن يكون شريكا في جريمة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي والوحشية الصهيونية التي تستبيح كل المقومات الفلسطينيةوعلى راسها الهويةالإسلامية  إن تجريم التطبيع و المقاطعـة لدى القطاع النسائي  هي سلوك يومي  طويــل النفس عابر للحدود هو ربط للعمل بالنوايا الحسنة وتخليص الأنفس وتزكيتها وربطها بالجزاء الإلهي  هي شكلٍ من أشكال المقاومة وهي ثقافة وجبَ تبنيها والتمرس عليهـا وتمريرها للنشىء .  

[1]  سورة الأنفال الآية 60