التسجيل / الدخول

نحو تعريف جديد للعمل والبطالة

 

بقلم م. مها لطف جمول

باحثة في مجال التنمية

 واجهت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أزمة حقيقية في مجال عملية إعادة الإعمار، فقد انجلت الحرب عن أرقام مهولة في أعداد القتلى قُدرت بما يزيد عن 50 مليون شخص، معظمهم من الرجال الذين شاركوا في الحرب بطريقة مباشرة.

ولأن عملية إعادة الإعمار تتطلب وجود يد عاملة، عمل المفكرون الاقتصاديون في الدول الأكثر تضرراً على سد النقص في هذه اليد من عدة طرق: فكان أن سمحوا باستقدام عائلات لاسيما من شمال أفريقيا ووسطها ممن حاربوا إلى جانب جيوش الحلفاء للعمل والاستقرار مقابل إعطائهم الجنسية، كذلك كان المنظرون الاقتصاديون أمام تحدي إشراك المرأة في الحياة الاقتصادية.

في الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب، دخلت المرأة بقوة إلى المصانع وساندها في ذلك سلسلة من التشريعات التي منحتها حق التصرف في مالها، وحق العمل في كل الأنشطة دون تمييز بين ما هو مناسب لطبيعتها الأنثوية ومهامها في رعاية الأسرة. ولعل من أبرز التغيرات الاقتصادية التي حصلت في تلك الفترة وأكثرها تأثيراً هو التعريف الذي وضع المرأة التي تقوم برعاية أسرتها والمسماة "ربة منزل" في خانة الفئات غير المنتجة اقتصادياً شأنها شأن العاطلين عن العمل، بحيث تُعد المرأة التي تقوم بأعمال المنازل من كنس أو طبخ أو رعاية أولاد أو تدريس أو غيرها من الأمور "ناشطة اقتصادياً" إذا كانت تمارس هذا العمل خارج جدران منزلها، وتُعد "عاطلة عن العمل" وغير "منتجة اقتصادياً" إن كانت تمارس نفس تلك الأعمال بتمامها مجاناً لصالح أسرتها.

مع الوقت أدى هذا الأمر إلى تراجع متوسط أفراد الأسرة بشكل ملحوظ، حتى بات شائعاً في السنوات الأخيرة أن يتم الحديث عن نمو "سلبي" لعدد السكان في أوروبا، وهو ما دفع بعض الدول إلى فتح باب الهجرة مجدداً أمام الفئات والعائلات الشابة من بلدان عدة.

ترافقت التغيرات الحاصلة في مفهوم العمل لدى المرأة مع حملة إعلامية موجّهة تتعلق  بـ "حقوق المرأة" للرد على ما "انتزع الرجل منها من حقوق"، وبالتالي بات – برأيهم- من الضروري تكريس المساواة في كل القضايا التي تخصّها. لاحقاً، وببساطة يمكن القول أن "عدوى حقوق المرأة" قد انتقلت إلى بلداننا دون جهد كبير.

من هنا ربما بات لزاماً إعادة النظر ببعض المفاهيم المستوردة التي لا تتطابق مع نظرة الإسلام إلى العمل، فأياً يكن الشخص الذي يمارس العمل، ومهما كان دوره أو وظيفته أو طبقته الاجتماعية، فقد نظر الإسلام إلى يد العامل بأنها "يد يحبها الله ورسوله".

إن من شأن إعادة الاعتبار لعمل المرأة داخل منزلها ولأجل أسرتها أن يعيد الدور الأساسي المنوط بالمرأة وهو بناء وحفظ العائلة إلى الواجهة باعتباره عملاً حقيقياً يترتب عليه حقوق للمرأة داخل الأسرة باعتبارها فرداً منتجاً على قدم وساق مع الرجل.

النقطة الثانية التي من المفيد أثارتها في هذا المجال، تتعلق بالضخ الإعلامي المتعلق "بحقوق المرأة"، والتي يتم التعاطي معها باعتبارها أمراً ينبغي انتزاعه من الرجل. لكن الواقع أن الحقوق هي أمر كائن أصيل في المرء لا يمكن انتزاعه، بل لا يمكن التنازل عنه. وبالتالي ربما من المفيد مناقشة كيفية تعزيز الحقوق والارتقاء بها، بدل الوقوع أسرى انتزاعها من الرجل. وربما من المفيد مناقشة تكامل الأدوار بين المرأة والرجل بدل من الحديث عن المقارنة بينهما، لأنه في العديد من المواضع يُفترض تكريس مبادئ العدالة والإحسان عوضاً عن مبادئ المساواة.

أخيراً، لا ينبغي عند مقاربة التعريف الجدي لعمل المرأة إغفال البُعد المعنوي، إذ لا يمكن قياس التأثير الكبير – المادي والمعنوي- في آن، لبعض الأعمال التي تقوم بها المرأة مثل الإرضاع على وضوء، حيث يحدثنا التاريخ عن أثر هذا العمل البسيط في نشأة كبار العلماء والمفكرين والقادة والشهداء.