التسجيل / الدخول

 

 الغزو الثقافي والفكري في الأدب العالمي نحو قراءة جديدة في قصص الحرب

 

م. مها لطف جمول

باحثة في مجال التنمية

 

 

ليس صدفة أن قصص الأدب العالمي التي باتت تصدر في الآونة الأخيرة النسب الأعلى في المبيعات، أن تحكي قصص الحروب المنتشرة حول العالم. فالحرب مادة دسمة لما تكتنز في داخلها من  تحولات كبيرة في المفاهيم والعادات والأخلاق وحتى القيم.

وليس غريباً أن بعض هذه القصص التي تتعملق – أو يُراد لها أن تكون عملاقة- تحكي قصص نساء ناضلن في ظروف قاسية لأجل لقمة عيش، لا يهم إن كانت هذه اللقمة تهدف إلى البقاء على قيد الكرامة أو إلى البقاء على قيد العبودية.

تؤثر الحروب في النساء بشكل أساسي في البلدان التي تعتبر أن تعليم المرأة ليس أولوية، وتقودها الأميّة وغياب الموارد المادية ومقتل الرجال أو غيابهم لفترات طويلة إلى سلوكيات غير أخلاقية وغير إنسانية في بعض الأحيان، لكن بات من الواضح أن نجاحات قصص الأدب العالمي باتت تعتمد على الشرح المسهب لانكسارات المرأة وتبريرها لبيع جسدها مقابل المال في عالم لم يترك لها شيئاً تستند إليه.

وفي روايته "ألف شمس ساطعة" للأفغاني خالد حسيني يظهر أثر الحرب على بعض الشخصيات النسائية التي تعيش ظروفاً قاسية للغاية فلا تتوانى عن الزنا والقتل الذي يبدو كحل لا مفر منه للشقاء الأبدي الذي تعيشه البطلات. وفي رواية الأفغاني عتيق رحمي "حجر الصبر" إمعان في تبرير الحالة التي دفعت بالبطلة إلى ارتكاب الفاحشة، ويتم ذلك من خلال قالب سردي وروائي يجعل التعاطف أمراً لا بد منه من قِبل القارئ، وهذا السرد الروائي الكثيف والمنمق يحصد لاحقاً جائزة "غونكور الفرنسية للأدب لعام 2008".

يقود هذا اللهاث في حصاد الجوائز العالمية التي تأخذ من موضوعي الحرب والمرأة مطية للنجاح للتساؤل عن أمور منها:

الأمر الأول، أن همنغواي قد استحق نوبل للآداب عن رائعته الشيخ والبحر عام 1954، وهي تقريباً قصة بمشهد واحد، يحكي قصة رجل واحد يقاتل منفرداً في عالم يظلله العنف والموت. خاص فيها (القصة) همنغواي في تفاصيل النفس الإنسانية، صرخ بطله وتألم وحاز على أعلى درجات التعاطف من القراء، فالقارئ يرغب في أن يعيش حالة أن "الغرق ليس خياراً". وعلى روعتها ودقة مفرداتها وصورها المتلاحقة تحصل الرواية على موقعها اللائق عالمياً دون ابتذال.

الأمر الثاني، يتعلق بالنتاج الأدبي الذي يوثّق الحروب وأهوالها، وهو هنا قسمان: القسم الأول الذي يتخذ من المرأة مطية لشرح التأثيرات السلبية التي تقع على عاتقها تحديداً أثناء الحرب واضطرارها لممارسة سلوكيات غير أخلاقية وملتبسة حتى من الناحية الدينية، إذ هي في كامل حجابها لكنها لا تتورع عن ارتكاب المحرمات.

أما القسم الثاني فهو الذي يمجّد بطولات الفرسان الذين واجهوا الحرب واستشهدوا أو أسروا أو جرحوا.. هذا الأدب الذي من شأنه أن يرفع معنويات كل الأجيال التالية وأن ينحني إعظاماً وتكبيراً لكل التضحيات التي بُذلت.

صحيح أن بعض هذه الروايات تمت الإشادة بها شخصياً من قبل مراجع وعلماء كبار في الساحة الإسلامية، وصحيح أن بعض ما مر بهؤلاء العظماء هو مدرسة ينبغي التعلم فيها، لكن ربما من المطلوب أيضاً الكتابة عن صبر النساء والأطفال الذين كانوا خلف الجبهة لفترات طويلة وواجهوا مصاعب الحياة بالعزم والحزم والكرامة التي يرتفعوا معها ليكونوا لائقين بالتضحيات التي قدمها المجاهدون في مسارح القتال.

في الغالب تُدخل الحروب إلى المجتمعات مفاهيم جديدة حول الحياة والموت، لكن من يملك في هذا العصر مقاربة حديثة لمفاهيم الحياة والقيم والأخلاق التي عاشتها زينب (ع) واختبرتها بعد كربلاء؟ كيف نمكّن النساء ليواجهن الحياة – هذه الحياة في هذا العصر- بكرامة، بترفّع، بإقدام، بالعلم، بالعمل، بالجهاد بكل أشكاله ومعانيه؟ وكيف نُثمّن ونُظهّر دور المرأة الفلسطينية في نضالها وكفاحها وحيدة ضد المحتل، ناثرة كل أشكال الحب والتعلق بأرضها؟ سؤال يستحق الإجابة عليه من خلال مقاربة مختلفة في باب القصة.