التسجيل / الدخول

قد صادقت اخیرا الحكومة التونسية على مشروع القانون الأساسي المتعلق بإتمام مجلة الأحوال الشخصية، الذي يتضمن عددا من المقترحات المتعلقة بتطوير مجلة الأحوال الشخصية، ولاسيما المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة إلى جانب تقديم جملة من المقترحات الداعمة للحريات الفردية وتصورات لحمايتها دستوريا واجتماعيا. وستعرض الحكومة المشروع على البرلمان من أجل المصادقة عليه، حتى يصبح ساري المفعول.

وكان السبسي اقترح في خطابه بمناسبة اليوم الوطني للمرأة في 13 أوت 2017 مبادرة تشريعية تضمن المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وأذن بإحداث لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أصدرت في 12 جوان 2018 تقريرا تضمن عديد المقترحات المتعلقة بتطوير مجلة الاحوال الشخصية ولاسيما المساواة في الارث بين الرجل والمراة الى جانب تقديم جملة من المقترحات الداعمة للحريات الفردية وتصورات لحمايتها دستوريا.

ومن هذا المنطلق یقدم الاتحاد العالمي للنساء المسلمات قراءة  في مشروع هذا القانون بقلم الدكتورة طوبى كرماني  وفق الرؤية الاسلامية.

 

 

نقد علی مشروع "قانون الحريات الفردية والاجتماعية في تونس"

الدكتورة طوبى كرماني

 

يجب النظر في مشروع "قانون الحريات الفردية والاجتماعية في تونس" من وجهة نظر شخص حر وليس مسلم فقط.

ومثل هذه المقترحات والقرارات بغض النظر عن هدفها لابد ان تكون:

1. الهدف منها تغريب الأسس القانونية والاجتماعية لتونس الأسلامية، وهدم السنن بصورة غير متعارفة او معقولة.

2. التسليم امام الضغوط الاقتصادية للإتحاد الأوروبي ومشروطية استلام المساعدات المالية من بعض بلدان مثل فرنسا كما حدث لبلدان اخرى مثل تركيا واليونان.

3. طرح قضايا هامشية جذابة للافراد ذو التوجه السطحي من اجل کتمان القضايا الرئيسية  في المجتمع التونسي.

4. التعويض عن فشل الانتخابات الرئاسية واستعادة موقعية رئاسة الجمهورية وجذب الرأي العام او لأي أسباب سياسية واقتصادية اخرى، اي ما كان، فهو متعلق بالشعب التونسي، على الرغم من ان تأثيره سيكون على جميع المنطقة والإنسانية  والأهم منه بما أنه ومع الأسف في هذه الايام فأن التظاهر باللادينية يحسب من مظاهر الحضارة غافلين بأن انكار العقائد الدينية من قبل أي شخص و أي حكومة لايحقق من الحضارة شيئا لأن القيم والمعتقدات هي من مؤلفات الحضارة.

نظرة عامة موجزة على بعض بنود مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" يبين لنا آثاره السلبية بوضوح وشفافية اكثر ولكن قبل الدخول في الموضوع يجب ذكر بعض المقدمات:

 

مقدمة 1-

ان أحكام كل دين وكل مذهب وكل مادة قانونية، هي في الواقع حلقات من سلسلة متصلة بحيث لايمكن العمل بأي من هذه الحلقات بشكل منفرد دون الاخرى واذا حصل ذلك سوف تخرج السلسة من هويتها وشكلها الاصلي وتأخذ معنى غير المعنى الحقيقي المراد به. سنبين هذا الامر من خلال مثال: إذا قطعنا جملة "لا إله - إلا الله"، الى جزئين، سنجد في المقطع الاول من هذه العبارة في الوقت الذي تدل  العبارة كاملة على "وحدانية الله". وكما في هذا المثال، الآية التي يستغلونها أعداء الإسلام " نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ" في حين أنه يعلم العقلاء والمفكرون والمفسرون بأنه لايمكن تفسير اي آية بشكل مقطع ويجب النظر في الآيات السابقة واللاحقة بها.  وان هذه الآية هي في الأصل ردا على سؤال اعرابي من النبي (صلى الله عليه وآله) حيث سأل الرسول هل يجوز مقاربة النساء في فترة الحيض؟ والجواب الصريح للقرآن الكريم يذل على حرمة هذا الأمر. وكان السؤال الثاني هل يمكن مقاربة النساء في هذه الفترة عن طريق آخر"وطیء دبر" ؟ فتشير الآية الى ان الهدف من المقاربة بين المرأة والرجل هو استمرار النسل وبقاء النوع الانساني و لهذا يجب زرع البذرة في الارض المناسبة لها، من اجل الإنجاب وان الانجاب في الانسان كما هو في باقي الثدييات عن طريق رحم الأنثی وعن هذا الطريق يضمن بقاء النوع كما تزرع البذرة في الارض المناسبة. فرحم المرأة هو الارض المناسبة ومحل تناسل النوع البشري فالمقاربة عن طريق آخر غير معمولة وغير معقولة وخلافا للغرض الالهي للخلقة. بهذا البيان وبعد النظر في الآيات السابقة واللاحقة ندرك بأن تشبيه رحم المرأة بالحرث لتربية الجيل واولاد هذا الرجل والمرأة هو في الواقع تشريف لها وليس انتقاصاًمن قيمتها.

بعد ذكر هذه المقدمة يتضح لنا الأجابة على السؤال لماذا لايمكن للمرأة المسلمة الزواج من الرجل الكافر وسبب منع هذا الأمر. وذلك لأن غير المسلم اولا يتعاطى المشروبات الكحولية وثانيا يسمح لنفسه ان يقارب اي امرأة وثالثا يأكل لحم الخنزير و.... فهل من المعقول ان تزرع هكذا بذرة في الحرث الطاهر للمرأة المسلمة؟ فدعوات المطالبة بإباحة زواج المسلمة من غير المسلم ليس كما يظن أصحابها في مصلحة المرأة حيث ان هذا الزواج "الغالب فيه فقدان المودة والسكن والذي هو الهدف  الاول من الزواج" إذ لا يؤمن غير المسلم بدين المسلمة وبالتالي "لا يعتقد تمكين زوجته من أداء شعائر دينها فتبغضه ولا تستقر الزوجية بينهما"؛ لذلك يسمح للمسلم بأن يتزوج "بالكتابية" (المسيحية أو اليهودية) لأنه يؤمن بدينها ورسولها وهو مأمور من قبل شريعته بتمكين زوجته من أداء شعائر دينها فلا تبغضه وتستقر الزوجية بينهما، ولذات السبب منع الاسلام الزواج من "المشركات "حيث لا يعترف الإسلام بديانتهن.

 

مقدمة 2 –

ان الرؤية الاسلامية للزواج تتفاوت مبدئيا مع الرؤية الغربية ومقترحين مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس". في الرؤية الإسلامية أن الغرض الرئيسي من الزواج، هو تشكيل الأسرة وسلامة الأجيال وبقاء النسل وان الغريزة الموجودة في الرجل والمرأة، هي وسيلة على الإنجاب واستمرارية الأجيال، ولكن وللأسف الرؤية الغربیة على النقيض من ذلك، حيث الغاية هي اشباع الغريزة وتشديدها من خلال التعري و الأفلام الإباحية و ...

 ان التصاميم والمقترحات الواردة في مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" المراد منه وللأسف الشديد في عالم اليوم توجيه الشباب من خلال هذه القوانين، الی تشديد الغريزة الجنسیة والجانب الأباحي وتسهيل السبل لاشباعها دون تحمل المسؤولية الزوجية فيرفضون مسألة الزواج والأنجاب من اجل بناء الاجيال وبقاء النسل.

 

مقدمة 3-

ان الإسلام بسبب كونه جامعأ وشاملا وعالميا، قد اتخذ الترتيبات اللازمة والمتطلبات الخاصة تحت عنوان "الاحكام الثانوية" و "متطلبات الزمان".

 والان نتطرق الى تحليل ودراسة بعض البنود من مسودة هذا القانون:

 

·               الفقرة الأولى من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" اي المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة

أولاً وعلى اساس المقدمة الأولى التي بيناها وهي دليل قاطع على رد الفقرة الأولى لأنه عندما يتحمل الرجل النفقة والسكن والمهر وجميع تكاليف الأولاد واضافة الى ذلك يتكفل امه وابيه ويمكن للمرأة ان تذخر جميع مايردها من مال وحتي تطلب اجورا لرضاعة أطفالها، فأنه من المعقول ان يكون حصة الرجل من الميراث ضعف حصة المرأة.

ومن جهة اخرى اذا أقر هذا القانون، فإن قانون الميراث الشرعي الاسلامي يصبح لاغيا بحكم القانون الجديد. و بالتالي تلغى معه كل التفريعات المتعلقة بحق الميراث للأب و الام و الأخت والخ … و ليس فقط فقرة المساواة بين الرجل و المراة في الارث.

في قوانين الدول العلمانية و الديمقراطية لا يرث الأب و الام و الاخ و الأخت و حتى الجد و الجدة اذا توفي الابن او البنت قبل أبويها.

ان قانون المساواة بهذا الشكل غير كافي و غير ناضج. لهذا يجب طرح قانون إرث متكامل يصحح ثغرات القانون الحالي و ثم يقوم الشعب بالاستفتاء عليه. غير ذلك فهذا القانون سوف يكون بداية صراع مرير.

ثانياً، عندما يعلن انصار هذه المقترحات بأن القضية ليست قضية دينية بل مسألة اقتصادية، لاينتبهون الى عدد من القضايا أولها ان الدين والشريعة، یجيبان على المسائل الدنيوية والاخروية، بما في ذلك القضايا الاقتصادية ثانیا لیس هناك خط أحمر بين الدين والقضايا الاقتصادية؟ وبهذا البيان، يبين الخطاب العلماني أن الدين هو مجرد علاقة شخصية بين الفرد والله وان الدين هو فقط الصلاة والصوم، وان من شروط بقاء اي قانون، هو أن لايكون فرديا ويلاحظ الحالة العامة.

 

·               الفقرة الثانية من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" حذف المهر في العقد

ماذا يقصد انصار هذا القانون عندما يقولون ان حذف مهر الزواج هو من صالح المرأة؟ ان هذه النظرة أولا تحرم المرأة من دعم مالي مرضي عنه من قبل الطرفين  وثانياً، تفتح للرجل السبيل للزواج بأخريات وترك الأسرة لحالها لأن مهر الزواج يلزم المرء بالتعهد المالي والالتزام قبال الزوجة والأسرة معا.

 

·               الفقرة الثالثة من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس"، رئاسة وحق الرأي وادارة الاسرة بشكل مشترك بين الرجل والمرأة

ليس هناك شك في أن كلا من الرجل والمرأة اصحاب رأي في جميع أمور الأسرة، ولا ينكر أحد هذا الأمر في الإسلام. فأن التشاور مع بعض ضروري ولابد منه، ولكن هل من الصحيح والمعقول اعمال رأيين و ذوقين مختلفين في مسألة واحدة؟ في الأسرة المسلمة، یتم التفاهم بین الطرفین حتی یخرجوا برأي واحد في تلك القضیة. فالمرأة هي المديرية الفکریة ويكون الرجل هو مسؤول عن الدعم اللوجستي والمديرية الخارجية.

 

·               الفقرة الرابعة من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في حرية تونس"  الحرية في اختيار الاسم

ان هذه الفقرة تشير الى مسألة ثقافية، وليست دينية و فقهية. وكما نرى في بعض البلدان الغربية كالولايات المتحدة فالزوجة تعرف بأسم زوجها وفي حال الطلاق أو وفاة الزوج تبقى كذلك حتى تتزوج ثانية، بينما في البعض من البلدان الإسلامية فتسمى  المرأة بأسمها بعد الزواج.  فالأسلام لايجبر المرأة على تغيير لقبها او غير ذلك من الامور.

 

·               الفقرة الخامسة من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" إمكانية إنتساب الطفل إلى الأم والأب

هذه الفقرة أيضاً مسألة ثقافية ومن الطبيعي أن ينسب الطفل إلى الأب والأم ويذكر اسم الأم والأب في شهادة الولادة لكنه في التسمية، وبسبب صعوبة التسمية بثلاثة أسماء (باسمه واسم أمه واسم والده)، فيتم اختيار اسم الأب. لكن  في بعض بلدان مثل أمريكا حيث نشهد للأسف العلاقات الجنسية المتعددة بين الرجل والمرأة خارج اطار الزوجية، فعندما تصبح المرأة حاملا، لايمكن معرفة هوية الاب، فينسب الطفل اولاً للأم في الوثائق الرسمية لأنها تكون معروفة وحاضرة وهي التي حملت الطفل ووضعته.

 

·               الفقرة السادسة من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" أي عدم التمييز بين الأطفال الشرعيين والغير شرعيين في الميراث

حول هذه الفقرة اود ان اطرح تساؤل ربما يبدو قاسي بعض الشيء وهو أنه عندما يجوز الاسلام تعدد الزوجات والزواج الشرعي الموقت بشروط معينة وفي ظروف خاصة يصرخ مناهضي حقوق المٍرأة بأن هذا ظلم بحق النساء، لكن الظلم الحقيقي هو أن هذا المشروع وبطرح موضوع عدم التميز بين الأطفال الشرعيين والغير شرعيين، فأنهم في الواقع يؤيدون الزواج المتعدد والشاذ و..... ويغفلون من انه لايمكن معرفة الأب من بين الرجال، بل يجب على المرأة اخذ عينة من الحمض النووي لكل رجل تقيم علاقة معه وتطابقه في المختبر مع الحمض النووي للطفل لمعرفة الأب فأن اساس هذه الفقرة هو ترويج واضح للبغاء والفحشاء.

 

·               الفقرة التاسعة عشر من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس" عدم التمييز في حضانة الأطفال في حالة الطلاق

أولاً، ما هو معنى الحضانة؟ هل هو الدعم المالي ام تحمل مسؤلية الطفل؟

الأجابة هي انه أولاً المحكمة العادلة هي مسئولة عن اتخاذ الرأي حول من يكون مؤهلاً من الناحية الأخلاقية، الجسدية و... لتحمل مسؤولية الطفل بعد الطلاق . وعادة تكون المسئولية للأم والأب هو المسؤول عن التأمين المالي للطفل. ولكن النقطة المهمة هي أن الإسلام أولا، من خلال تكليف الأب بمسؤليات الطفل يسهل للمرأة امر الزواج الشرعي الثاني وبعد الطلاق والانفصال ويمنع الرجل من ان يثقل كاهل المرأة بالاطفال ويجرد نفسه من المسؤولية و يقدم على الزواج الثاني  اويمارس الفسق والعلاقات المتعددة.

 

·               الفقرة العشرين من مشروع "قانون الحريات الفردية والمساواة في تونس"

لو ينتبه انصار هذا المشروع الى فلسفة العدة والمدة اللازمة للتحقق من الحمل، فلن يقترحوا هذه الفقرة الغير معقولة من اجل حماية الطفل والأم وموضوع الارث وحضانة الطفل والنفقة. والنقطة المهمة هي أن التيقن من الحمل وانتساب الطفل الي الأب ليس التفسير الوحيد لفلسفة العدة حيث هناك اهداف اخرى للشارع الاسلامي ومنها أن في هذه الفترة (العدة) ومن خلال وساطة الأهل يمكن رجوع الزوجين لبعض ففي هذا الحال ليس هناك حاجة لصيغة عقد جديدة.

وهناك فلسفة اخرى للعدة هي ان في حال وفاة الزوج فأن زواج المرأة بعد وفات زوجها مباشرة بفترة يسبب عواقب جسدية وروحية لها ولطفلها بسبب المودة والصداقة والألفة التي كانت بين الزوجين ولفترة طويلة من الحياة الزوجية. فطبيعة المرأة العاطفية تحتاج الى فترة معينة يحدددها القرآن (4 اشهر) من اجل استعادة حالتها الطبيعية العاطفية لتقدم على تشكيل حياة اخرى.