التسجيل / الدخول

 

الذكاء العاطفي الاجتماعي في القرآن والسيرة

بقلم:  نوال الحاج دياب

 

برز مفهوم الذكاء العاطفي في نهايات القرن الماضي حين أصدر دانييل جولمان كتابه المعروف "الذكاء العاطفي " وكان له الصدى الكبير في المجتمع الأمريكي حيث عمل جولمان على تغيير مفهوم السعادة لدى الانسان – من الأخذ إلى العطاء- . ولسنا بصدد تقييم هذا الكتاب في هذه العجالة ، ولكن ما نريد قوله أن هذا المفهوم ليس جديدا على أدبياتنا الإسلامية وإن كنا لا نسمي الأشياء كما يسميها الغرب .

  وللذكاء العاطفي جانبين؛ الجانب الذاتي أي إدارة مشاعرنا الخاصة ، والجانب الاجتماعي وهو التعرف على مشاعر الآخرين وإدارتها . وسنحاول في هذا المقال أن نتناول مفردة من مفردات الذكاء العاطفي الاجتماعي ونسلط الضوء عليها كما وردت في القرآن الكريم وكيف كان المسلمون الأوائل مصداقا لهذه الآيات. ولكن قبل البدء لا بد أن نشير إلى مسألة مهمة وهي أن الذكاء العاطفي الاجتماعي يقوم على أساس الجانب الذاتي من هذا الذكاء ، وبكلمة أخرى أن من لا يملك القدرة على التعرّف على مشاعره وإدارتها وتحفيز نفسه لا يستطيع أن يدرك مشاعر الآخرين وقيادتهم وتحفيزهم وبناء علاقات متينة معهم

وهذا لا يعود بالنفع على الآخرين فقط بل له فوائد على مستوى الشخص نفسه حيث يكون في حالة أفضل من التكيف العاطفي ومحبوبا أكثر من قبل الغير . فكيف تناول القرآن هذا المفهوم ؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا" (آل عمران 103),. يتبين لنا من خلال هذه الآية الكريمة أن المجتمع الإسلامي يقوم على الألفة والتي هي نعمة من الله تعالى نتيجة لإيمان الناس به والسير وفق تعاليمه ، فالعواطف الاجتماعية تنشأ من الاعتصام بحبل الله وهو القرآن الكريم وعدم التفرق عنه وهو ما يؤثر في تكوّن العواطف والعلاقات الاجتماعية بين الناس حيث يتبادل الناس في هذا المجتمع الخدمات وتامين الحاجات المادية والمعنوية . ولا بد أن لانغفل عن أهمية هاتين الحاجتين إلا أن الله تعالى يرجح قيمة العلاقات المعنوية على المادية لأن هذه الأخيرة إذا طغت فستسوق المجتمع نحو الشقاء  "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" (الزخرف 67)

  لقد تحدث القرآن الكريم عن التعاطف بين الناس ولكن بمفردات أخرى ، كالرحمة والعفو والاحسان وقد تناول موضوع التعاطف على مستويين

أ‌-        المستوى الفردي : يقول الله تعالى " وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ، وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " (الأنفال 62و63) فالألفة بين المؤمنين هي فعل إلهي بامتياز، وهي مهمة جدا بالنسبة للمجتمع الاسلامي لتحقيق أهدافه على المستوى الفردي والاجتماعي . وقد خصص الله تعالى بعض الناس بالإحسان إليهم لما في ذلك من مصلحة فردية واجتماعية "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا" (النساء 36) هذه المجموعة من الناس تحتاج إلى الاحسان المادي والاحسان المعنوي على حد سواء فنرى أن الآية ختمت بقوله إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . ومن المصاديق لهذه الآية هو ما حدث مع الإمام علي عليه السلام وعائلته حين أعطوا كل ما يملكون من طعام لمسكين ويتيم وأسير وبقوا ثلاثة أيام صائمين لم يدخل إلا الماء إلى جوفهم ونزلت بحقهم آيات لتبين عظيم عطائهم وإحسانهم " يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا  ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ...." (الإنسان 7و8)

ب‌-     المستوى الاجتماعي : لقد ركّز الاسلام على التعاطف والرحمة ليس على المستوى الفردي فقط بل على المستوى الاجتماعي أيضا لأن هدف الاسلام بالإضافة إلى بناء الانسان بناء المجتمع المتماسك القوي الذي تسود فيه الرحمة والتعاون والألفة للوصول به إلى مجتمع إلهي مبني على أساس الحق عقيدة وعملا وترابط أعضاؤه في إطار التعاليم الإلهية .وقد جعل الله تعالى العواطف الإجتماعية تدور حول الإيمان والتقوى وعلى أساس الدين الإلهي "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وألى الله المصير" (آل عمران 28).

 وبالنسبة للتعاطف بين قوم وقوم نستطيع أن نراه في ما ذكرته الآيات من سورة الحشر عن كيفبية استقبال الأنصار للمهاجرين من مكة وكيفية التعامل معهم على المستويين المادي والمعنوي يقول تعالى "والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلّا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (الحشر 9و10). فنجد أولا أن الأنصار أحبوا المهاجرين" يحبون من هاجر إليهم " وهو المستوى الأول للتعاطف بينهم ومن ثم آثروهم على أنفسهم أن اقتسموا معهم كل ما يملكون من بيوت وحرث وأنعام وغيرها ، وقد كان هذا العطاء بكل طيبة خاطر ودون شعور بالغبن أو الحرج وأكثر من ذلك فقد تتوج هذا البذل بالدعاء لهم بالمغفرة من الله تعالى والطلب منه أن لا يجعل في قلوبهم غلا وكرها للمهاجرين.

  هذه بعض مظاهر التعاطف في القرآن الكريم وكيف ترجمت عملا في عهد الرسول الأكرم نتيجة للإيمان الصادق بالتعاليم القرآنية الذي تمتع به المسلمون في ذلك الوقت، والتي نرى في يومنا هذا بعض مصاديق هذه التعاليم وإن كانت حالات استثنائية وفي بعض البلاد الاسلامية والتي تستسود العالم في دولة المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه .