التسجيل / الدخول

توصلت الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية، التابعة للاتحاد الأوروبي، إثر تحقيق موسع أجرته في السنوات الأخيرة إلى أن المسلمين في دول الاتحاد مندمجون داخل الدوائر المجتمعية والسياسية والاقتصادية على نحو يفند الصورة النمطية التي تسعى تيارات وأحزاب اليمين المتطرف إلى ترويجها.

وأثبتت دراسة جديدة، أن غالبية المسلمين في أوروبا لديهم ثقة كبيرة بالمؤسسات الديمقراطية رغم حالات التمييز والمضايقات التي يتعرضون لها، وفق ما نشر موقع وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية.

وأصدرت الوكالة تقريرا جديدا الأربعاء 21 أغسطس، وقدمت من خلاله مقتطفا عن تجارب المهاجرين المسلمين وأبنائهم المولودين بأحد بلدان الاتحاد الأوروبي.

وخلصت الوكالة في نتائج تقريرها أو دراستها إلى مطالعات مضادة لتلك التي تخرج عن التيارات السياسية الشعبوية التي ما برحت تسوّق لاستحالة توافق الإسلام مع أوروبا واستحالة اندماج المسلمين داخل الاتحاد الأوروبي.

وتطرح النخب السياسية والاجتماعية والأكاديمية والسياسية منذ سنوات مسألة مدى توافق الإسلام مع الحياة المعاصرة ومع النظم الديمقراطية المعمول بها داخل العالم الغربي. ويأخذ الأمر بعدا آخر في أوروبا بعد موجة اللاجئين التي انتقلت إلى داخل دول الاتحاد الأوروبي وأثارت ردود فعل متباينة وحملت ماء إلى طاحونة التيارات الشعوبية والمتطرفة.

 

فرضيات مضلّلة

واستند التحقيق الذي أجرته الوكالة على دراسة أجوبة 10500 شخص يقدمون أنفسهم بصفتهم مسلمين تم طرح أسئلة عليهم ما بين أكتوبر من عام 2015 وسبتمبر من عام 2016، بما يعتبر أنه أكبر تحقيق يعتمد على أكبر قاعدة بيانات متوفرة حتى الآن.

وغطت التحقيقات 15 بلدا أوروبيا أي حوالي 94 بالمئة من كامل الحضور الديمغرافي المسلم، ما يقارب 20 مليون مسلم يشكلون المجموعة الدينية الثانية في الاتحاد الأوروبي.

ويقول التحقيق إن إحدى أبرز الخلاصات التي ينتهي إليها تقرير هذه الدراسة الشاملة أن ما تم تأكيده في السابق من أن المهاجرين وأولادهم الذين ينحدرون من تركيا وأفريقيا ومن جنوب شرق آسيا ليسوا مندمجين داخل المجتمع الأوروبي هو أمر خاطئ وفرضية مضللة.

وصرح ميشال أوفلاهرتي، مدير الوكالة: “لقد دحضت نتائج التقرير كل المزاعم التي تدعي فشل اندماج المسلمين في أوروبا، بل تبث أيضا أن مستوى ثقتهم في المؤسسات الديمقراطية بأوروبا أعلى بكثير من لدى الجاليات الأخرى. غير أن كل حادثة تمييز أو جريمة كراهية تقلل من اندماجهم وتضعف رغبتهم في البحث عن عمل. إننا نخشى شعورهم بالإقصاء الاجتماعي، وهو ما قد ينجم عنه عواقب وخيمة”.

وأضاف فرانس تيمرمانز، نائب مدير الوكالة: ” إننا سعداء جدا بثقة المسلمين في مؤسسات أوروبا وقوانينها رغم تحديات التمييز والعنصرية التي قد يتعرضون لها. لكن، نشعر بخيبة أمل كبيرة أيضا من كشف تقرير الوكالة للخمس سنوات الماضية تعرض أزيد من شخص مسلم للتمييز أثناء البحث عن العمل بينما لم يبلغ عنها سوى 12 في المئة فقط. نود التأكيد للمسلمين أن اللجنة الأوروبية لن تتسامح مع أعمال الكراهية التي تتعارض مع قيمنا وقوانينا”.

وعلى نحو مماثل، قالت فيرا جوروفا، المفوضة الأوروبية للعدالة: إن “التقرير الجديد لوكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أبان عن تمييز متزايد ضد المسلمين. نشعر بقلق كبير من كل التحديات التي تواجهها النساء المسلمات في أوروبا. إنه من واجبنا على المستوى الأوروبي، والوطني، والمحلي التأكد من أن التدابير اللازمة لمكافحة تلك العنصرية قد تم اتخاذها بشكل صحيح، وأن المسلمين يمكنهم الوثوق بعناصر الشرطة”.

 

31 % تعرضوا للتمييز في العمل

 

ويعد هذا التقرير الثاني من نوعه الذي تعده وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية عن المسلمين. وبشكل عام، تطرق التقرير إلى محاور عديدة منها محاولات المضايقة والوعي بالحقوق الأسياسية والحريات المدنية.

وأظهرت الدراسة أن من بين من شملتهم الأسئلة أعرب 76 بالمئة عن تعلقهم الشديد بالدول التي يعيشون بها، كما أنهم يثقون بشكل أكبر بالنظام القضائي وأجهزة الشرطة من بقية الأوروبيين، وأن 31 في المئة من الذين بحثوا عن وظيفة قد تعرضوا إلى التمييز خلال الخمس سنوات الماضية.

وتلفت الدراسة إلى ارتفاع نسبة التمييز الديني الذي يتعرض له المسلمون. فواحد من كل خمسة شاركوا في هذا التحقيق أقروا بأنهم كانوا ضحية تمييز من أصحاب الأملاك أو أرباب العمل أو موظفين، خلال الخمس سنوات الأخيرة بسبب ديانتهم. وبالمقارنة مع دراسة سابقة أجريت عام 2008 فإن هذه النسبة كانت واحدا من أصل عشرة. مما أشارت أن 42 في المئة من المشاركين بالدراسة قد أوقفتهم الشرطة مرة على الأقل للتأكد من هوياتهم بسبب انتمائهم العرقي.

وكشفت الدراسة أن المسلمين يتحلون بدرجة تسامح مع فكرة أن يكونوا متجاورين مع آخرين لا يقاسمونهم قناعاتهم الدينية.ووصلت نسبة هؤلاء المتسامحين إلى 92 بالمئة، حيث لا يجدون أي مانع من أن يكون لجارهم اعتقاد ديني آخر أو مختلف عن عقائدهم الدينية.

 

خطط اندماج “فاترة”

 

وقال تحقيق الوكالة إن 48 بالمئة من المسلمين يؤكدون أنهم “سيشعرون بالراحة” في التعامل مع عضو في عائلاتهم يفضل أن يقوم بزواج مختلط، فيما رفض 17 بالمئة ذلك. وتكشف نتائج التحقيق أن 85 بالمئة يؤكدون أن العنف ليس وسيلة ناجعة للرد على الشتائم التي تأخذ طابعا عنصريا.

ويعيش في أوروبا نحو 20 مليون مسلم إجمالا، نصفهم تقريبا في فرنسا وألمانيا. وانتقدت الوكالة الأوروبية بشدة خطط دمج المسلمين في المجتمعات الأوروبية، وقالت إن هذه الخطط فاترة وغير حاسمة، وإنه على الرغم من أن لدى معظم هذه الدول استراتيجية للاندماج وتنتظر من هؤلاء المسلمين التكيف مع قيمها، إلا أن هذه الدول تفتح بالكاد أمام الشباب المسلم آفاقا حقيقية للمشاركة في الحياة الاجتماعية. وجاء في تقرير الاستطلاع أن “خلق شعور بالانتماء سينعش التعايش في هذه البلدان”.

 

أكبر تحقيق أوروبي رسمي على الاطلاق

 

ويعتبر هذا أهم تحقيق عن المسلمين في أوروبا على الإطلاق. والنتائج التي انتهى اليها لها أهمية استثنائية.فالكل يعلم ما يعانيه المسلمون في الدول الأوروبية من ظلم واضطهاد وتمييز، وما يتعرضون له من اعتداءات عنصرية سافرة لا تتوقف. والكل يعلم أبعاد الحملات الظالمة الضارية، سياسيا واعلاميا، على الإسلام والمسلمين في الدول الأوروبية. هي حملات لا تشنها فقط الأحزاب اليمينية المتطرفة، بل أغلب الأجهزة الإعلامية والسياسية في الدول الأوروبية.

جوهر هذه الحملة يقوم على ان المسلمين في الدول الأوروبية متطرفون عنيفون لا يعرفون التسامح، ولا يمكن ان يندمجوا في المجتمعات الأوروبية التي لا يعترفون بقيمها ونظمها السياسية والاجتماعية.

من هنا بالضبط، تأتي الأهمية القصوى لهذا التحقيق الذي يعتبر أكبر تحقيق يعتمد على أكبر قاعدة بيانات متوافرة حتى الآن ،حيث غطت التحقيقات 15 بلدا أوروبيا.فهو اذن أكبر تحقيق أوروبي رسمي على الاطلاق.

 

بين تسامح المسلمين وعنصرية الأوروبيين

 

هذا اذن هو حال المسلمين في الدول الأوروبية كما كشفت عنه مؤسسة أوروبية رسمية. المسلمون متسامحون ليسوا متطرفين ولا يؤمنون بالعنف، ومندمجون تماما في المجتمعات والدول الأوروبية التي يعيشون فيها.

السؤال هو: ماذا عنهم هم؟.. ماذا عن الأوروبيين انفسهم ومدى عنصريتهم وتسامحهم؟

عشرات الدراسات والتقارير الأوروبية عبر السنوات الماضية سجلت صعودا مخيفا للعنصرية والتعصب وعدم التسامح وخصوصا فيما يتعلق بالنظرة إلى العرب والمسلمين.

بالمصادفة، تزامن مع نشر نتائج هذا التحقيق الأوروبي عن المسلمين، نشر نتائج استطلاع أجري في بريطانيا حول نظرة البريطانيين إلى العرب والمسلمين، أشارت إليه صحيفة “الغارديان” البريطانية قبل أيام.

الاستطلاع أجرته هيئة “يوغوف” الحكومية البريطانية. وأظهرت نتائجه “درجة عالية من عدائية البريطانيين إزاء العرب والإسلام والمسلمين في بريطانيا”. وأظهر الاستطلاع أن معظم الناخبين في بريطانيا يرون أن العرب أخفقوا في الاندماج في المجتمع البريطاني وأن وجودهم لم يقدم النفع لبريطانيا. فيما يرى 64 في المائة من البريطانيين أن العرب لم يندمجوا مع المجتمع.

وأظهر الاستطلاع أن الصفات الثلاثية التي تتبادر إلى ذهن البريطانيين فيما يتعلق بالعرب هي التمييز بين الجنسين والثراء والإسلام، ويلي ذلك التطرف والتاريخ العريق. وكان الربط في الاستفتاء بين العرب والابتكار والفكر التقدمي محدودا للغاية.

 

والخلاصة أن المسلمين في الدول الأوروبية الذين يسهمون في بناء وتقدم هذه الدول هم ضحايا العنصرية الأوروبية القبيحة، وليسوا مصدرا لتطرف أو عنصرية.. هم الذين بحاجة إلى حماية وليسوا مصدرا لأي خطر. هذا ما تؤكده التقارير والدراسات الأوروبية نفسها.

-----------------

المصدر:

اسلام اون لاین